الله أحد، الله أحد بابا علي ما كيفو حد

سألته أمه

من أحب إليك، أمك أم الروضة

صاح فيها بلا تردد : بابا

نظرت إليه بعينين معاتبتين

فرفع إصبعي النصر متداركا: الإثنين الإثنين

استدركت أخته التي كانت تتابع حديثهما عن قرب،

و رفعت اصبعي النصر و صاحت : الإثنين، بابا و بابا. بابا و بابا

ضاحكة ضحكة فاحت منها رائحة الشماتة و السخرية …

 

انطلقنا

انطلقنا على الرمال الهامدة، نبني من الأحلام قصورا، و في الأزقة الضيقة نرسم على الجدران سرورا و حبورا .

انطلقنا، جامعين من الشمس دفئا و نورا، و من السماء زرقة و نقاءا، لتزهر نظراتنا حبا و تورق همساتنا ربيعا.

انطلقنا بعد أن أسرنا برد الشتاء و صقيعه لأربعة أيام متتالية، لم يكن لنا فيها من الدفئ غير دفئ أحضاننا و من الحرارة غير حرارة المدفأة الكهربائية و من السرور غير مسرة مقاسمة ضحكاتنا مع أبناء عمتكما.

انطلقت بنا الحافلة لتتابعا بنظرات باحثة صور الرحلة عبر النوافذ، و لتشدكما ككل مرة صورة دورية الشرطة المرابطة على مدخل مدينة سوسة ، مبهورين بالحلة السوداء و بالسلاح الذي يرتدونه، متتالية تعليقتكما عن الخير و الشر ،عن الحب و الكراهية، عن الأرض و العرض ، عن اليهود و أرض الخلود، راسمة كلماتكما البسيطة المفردة ملحمة شعب ثائر ، ذو حظ عاثر، حائر بين أمن بلا كرامة أو كرامة بلا أمن.

تعالت صيحاتكما مع مرورنا أمام محطة القطار طالبين مني أن أقتني لكما قطارا كبيرا نرتحل به بين محطات المنزل، مبهورين بزرقة البحر المرمي خلف المحطة، مستذكرين رحلات الصيف على متن السفن الشراعية.

تقاسمنا ثلاثتنا كأس القهوة، ليترشف كل منا ما كتب له أن يترشف، جاعلين من المائدة حلبة مصارعة، مستخدمين كل أسلحة الإستعطاف لنيل أكبر قسط من الكأس. كان علي أن أتابعكما بنظراتي و أنتما تلهوان مع صديقكما الجديد أنيس. قافزين من كرسي إلى كرسي، مجتازين حواجز الصمت و جدران الرتابة المخيمة بظلالها في أرجاء المقهى. و لم يمنعكم عن اطلاق موجاتكم الايجابية وجه عبوس أو نهر كشوش.

خرجنا من المقهى راكضين بعد أن جلب انتباهكما ضجة و جلبة الصيادين المرابطين بشباكهم على الشاطئ، لتحوما حولهم ، مشاطرين الأسماك في مقاومتها و الاستبسال من أجل الخلاص. محاولين تحريرها و إرجاعها لبحر الحرية.

قضينا بقية اليوم على الشاطئ محاولين ايجاد صدفة أو محارة من بين أكوام الحجارة و القمامة المرمية على طول الشاطئ، لكننا لم نفز بغير زجاجات الجعة الفارغة و بقايا ألواح مسمرة. وقفت أمام أطلال النزل المطل على البحر لأكتشف ضآلتي و قلة حيلتي أمام الجدران الشامخة لسجن وطنهم، و سراب حريتهم و أوهام كرامتهم.

قفلنا راجعين في الحافلة، نحمل من الوطن أحلامنا

أنا و أبي

يوم أمس، لم يكف لساني عن التلعثم و الدوران ، ولم تكف أناملي عن مداعبة أغصان و وريقات أشجار عمرها من عمر هذا الوطن. تحدثنا عن كل شيء، عن السياسة و الساسة، عن  الإستعمار و الإستحمار، عن النساء و مكرهن، عن الأطفال ماضيا حاضرا و مستقبلا. تحدثنا عن كل شيء، كما يتحدث كل أب مع إبنه.

كانت الشمس خافتة و السماء مظللة ببعض الغيوم العابرة، كان يوما مثاليا لجمع الزيتون، و لإستذكار الأيام الخوالي حين كانت هذه الأرض تعج بنا عجا ، و السماء تتردد في أرجائها أصداء ضحكاتنا و ضجيج صراخنا. لكن بالأمس لم يكن هناك من أحد غيري أنا و أبي. لم تتغير الصورة كثيرا عما كانت عليه منذ ثلاثين سنة، حين كانت يداي الصغيرتان متشبثتان بخصر أبي محاولتان عبثا أن تمسكا ببعضيهما البعض، لم يتغير صوت الدراجة النارية كثيرا و أنا مستلق على ظهر أبي، مهدهدة إياي، راحلة بي إلى عالم من الأحلام. نفس تلك الأيادي تمسكت بخصر أبي و نفس تلك الأحلام راودتني و أنا محتم وراء ظهر أبي.

لم أكن أطيق الكلاب و لا كانت هي تطيقني، لم تتغير مشاعرنا المتبادلة و لم تتبدل في الرغبة في قضم أذن أحدها. استذكرت مطاردتها لي قبل أن أصل إلى القريشة، ما زال نباح كلاب بن نيران و صراخ استغاثتي بأبناء عمي يتردد صداهما في أرجاء ذاكرتي ، و ما زال لعابها لزجا على جدرانها أستذكره بعد أن قبضت علي، لكنني إلى حد اليوم لم أفهم كيف لم تعمل في بأنيابها و كيف نجوت من موت محقق.

كان الضباب يعم الأجواء، و كنت من وراء أبي أستجمع ما يمكن جمعه من شتات طفولة غابرة، و أيام قضينا نهارها قافزين من غصن إلى غصن، و ليلها متحلقين حول نارها نستمع إلى ذكريات و قصص جدتنا أمي فاطمة أو مرفرفين حول لهيبها قافزين فوق جمرها، مرددين ما كنا قد حفضناه من أناشيد و أهازيج في رحلات و جولات المصائف. كنا نصرخ حتى الثمالة و نرقص حتى التخمة لتنهار قوانا و ننام مكدسين على بعضنا البعض فوق السدة، بعد سهرة الجنون.

لم أستفق من حلمي إلا على وقع صدم الدراجة و وقوعها في إحدى الحفر الممتلئة بها الطريق، لأرى عن بعد مكب النفايات الجديد الذي دشنته حكومتنا الموقرة، و لتهب على مسامات أنفي روائح هيبة الدولة التي لطالما بشرونا بعودتها.

راودني سؤال حينها : إن كانت الدولة هي الأصل، فهل كل أحلامي و ذكرياتي في هذا المكان و كل تلك الأزهار التي قطفناها و حبات الزيتون التي التقطناها و جمعناها، و الخرشف الذي اقتلعناه، و الفراشات التي ملأت ألوانها جدران ذكرياتي و اللهب الذي أشعل أجسامنا قوة، و ملأ قلوبنا دفئا. هل كل ذلك كان نشازا أمام هيبة الدولة.

هل أحلامي  هي النشاز ؟ هل وطني هو النشاز؟

أم أن هذا المغتصب لأرض أحلامي، و لوطني؟ هذا المحتل  الذي أطلق على نفسه اسم دولة و أسس لها حكومة بمباركة شعبية غبية في لعبة الديمقراطية هي النشاز …

حكاية قبل النوم

أبي عروستي معطوبة
أبي أصلح رجلي عروستي
أبي قوم عاهتها بالجبس

كان يا ما كان على قارعة احدى الشوارع المكتضة المزدحمة بالسيارات المسرعة شيخ كبير أبيض الشعر مقوس الظهر مرتكز على عصاه
أراد الشيخ عبور الشارع للضفة الأخرى
عبر لكن دون أن يلتفت يمينا أو شمالا،

أتت سيارة مسرعة و صدمته و طرحته أرضا، فأخذ يصيح

يدي يدي

حمله صاحب السيارة إلى المستشفى، حيث جبر له الطبيب يده بالجبس. ثم شفي بعد شهر

أبي ارو لي حكاية قبل أن أنام

البؤساء

وقف محملقا في حافظة نقودي في حافظة نقودي المكتنزة بما ثقل ميزانه  بخس ثمنه ، من القطع البيضاء المصطكة بمثيلتها الصفراء ، محدثة رنينا كذابا مواريا قلة ذات اليد. كنت أبحث عن ثلاث قطع صفراء أمدها له مقابل وريقات أدعية لم أقرأ محتواها إلى حد الآن. سحنته السمراء و ثيابه المغبرة و حبيبات العرق المتقاطرة على جبينه تدل على أنه كان يتجول منذ فترة طويلة، لم يبلغ من العمر الأربعة عشر و كان قدر له أن يكون عائلا لعائلة توفي ربها. كان قد انقطع عن الدراسة منذ أن توفي والده في العام الفارط ليعول أمه و أخته. كانت أخته بنت الثمان سنوات تنتظر أخاها جالسة على عتبة الكرنيش مراقبة هي الأخرى تقلب أصابعي بين القطع النقدية منتظرة خروج العروسة من المحفظة. كانت اجاباته مقتضبة لكنها صادقة، و كانت نظارته المتراوحة بين محفظتي و أخته تفوح حنانا و غيرة عليها. أعطيته ما كتب له أن يأخذ، رجوت لهما السلامة ثم مضى كل منا في حال سبيله متابعين تقمص ما أحيك لنا من أدوار في تمثيلية هذه الحياة البائسة. كانت صرخات الأطفال اللاهين تصلني من البحر الهائج، صرخات يطلقون بها عنان ما أكبت من جنون طيلة فصول ما قبل الصيف. كانت الفرحة تملأهم و الغبطة تفيض من عيون آبائهم الذين وقفوا عند حافة الشاطئ يتطعمون هدير البحر بجنون أبنائهم.

نظرت إلى ذينك البائسين

نظرت إلى نفسي

نظرت إلى أبنائي

و علمت مدى سطحية و ابتذال المسرحية، مسرحية الوطن الذي احتضن أبناءا برمله و بحره و شمسه، و قبر آخرين تحت طمر المهانة و الفقر و الخصاصة، لكنني و رغم غباء من ينادون بالوطنية أكملت دوري و سرت بين أولئك المبتسمين محاولا الابتسام مثلهم متحديا معهم أصحاب النظارات السوداء و الملونة الذين يرمقوننا بكل ما أوتيت نظراتهم من معان الاحتقار و اللامبالاة .

poor_children

أشرف و صديقه: الإهانة

تركت أم أشرف باب الشارع مفتوحا. فاستغفلنا و نزل إلى الشارع  . لحقنا به أنا و أمه  لنجده مع صديقه أيوب يتمتمان بما لم نفهم  و يتغامزا.

بقيت بعيدا منهم ألحظهما، بينما اتجهت إليهما أمه لتأخذه من يده صارخة  في وجهه،ضاربة إياه، لائمة إياه خروجه دون أخذ إذن منها.

بكى أشرف إلى أن اخضب وجهه الصغير بالدموع، لم يبكه ألم الضرب، بقدر ما أبكاه أن يهان أمام صديقه

صباح يوم عادي

عادة ما كنت أبقى يوم الأربعاء في المنزل، مع صغاري

نلهو و نلعب أو نخرج للتفسح إن كان الطقس جميلا و مواتيا للتفسح

لكني اليوم و لأسباب مهنية كان علي المغادرة مبكرا

أشرف كان أول من استفاق بعد مغادرتي الفراش، بحث عني في كل الغرف ليجدني و يغمرني بابتسامة حلوة عريضة.

أما رنيم فقد كانت مستغرقة في نوم ثقيل وباءت كل محاولات أمها لإيقاضها و نزع رداء الليل عنها.

لامست وجنتيها و لاعبت شعرها بكل حنان فبادرتني بابتسامة بعد أن تعرفت علي و مدت إلي يدها جاذبة إياي إلى الفراش طالبة مني أن أستلقي و أشاركها حلاوة النوم. استحثثتها للإستيقاظ بمزيد من المداعبة و القبل لتستفيق أخيرا. قمت بإعدادها ، غسلت أطرافها و  استبدلت ثيابها.

، كان أشرف في الأثناء في المطبخ، يفتش الثلاجة علت ضحكاته فرحا بعد أن وجد ياغورتة بالشكولاطة و بسكويته المفضل “برانس” . جاء إلينا و هو يحمل غنيمته و صيحات الانتصار تسبقه ، سائلا أخته إن كانت ترغب مشاركته في بعض البسكويت و الياغورت.

خرجنا أخيرا، و دخلت رنيم للروضة بدون أن تبدي مقاومة، أم اأشرف فقد تعالت صيحات رفضه و أبى الدخول واصفا مروضته نوسة بعبارته المفضلة “مشومة” . و قد أخبرتني المروضة بأنه بقي كامل اليوم يضربها و ينعتها بالمشومة.

ranim ali

يوم أحد آخر

لم أحتج لرسم السعادة غير أفرشة و أغطية كنت قد أخرجتهم لحمام شمس يذهب بعضا مما علق فيها من رطوبة، و لبعض من المخيلة الطفولية و للأفكار الجنونية التي لا ترتبط بمنطق و لا يرتبط بها أي منطق. بنينا بيتا و خيمة كانت ستارا من لهيب نهار مشتعل و بقينا لبرهة نرقب السماء الخالية وترقبنا، نعد نحن خرافها البيضاء  و تعد هي ضحكات أسناننا البيضاء. أتت لرنيم فكرة التسوق و شراء بعض الحلوى و الشكولاطة فاتخذوا من الحائط   بائعا  و  دكانا ، و من  بعض الحركات و الكلمات دنانير و بضاعة التهمنا  ما ساغ منها و ما حلى. ثم و بإرادة رنيم تحول البيت إلى سيارة مسرعة نسوقها ثلاثتنا متفادين زحمة السير و اكتضاضها ، صائحين بأعلى أصواتنا بأن يفسحوا لنا الطريق. لنتوقف أخيرا أمام مغازة ملابس، فتطلب مني رنيم بعض النقود واعدة إياي بأن تشتري لي ألبسة للصغار و للكبار رميتها بما في قبضتي من هواء راجيا إياها ألا تتأخر في تسوقها. اقتنص أشرف فرصة توقف السيارة ليقوم ببعض حركاته البهلوانية و يقف فوق السدة ليسقط بين أحضاني مكررا فعله كرات و كرات تحت صيحات الفرح و قهقهات المرح. أخيرا عادت رنيم من تسوقها و طلبت من أشرف أن يأخذ مكانه في السيارة لننطلق نحو شاطئ البحر. باغتتنا فجأة صيحات أمهما المستفهمة عما نقوم به. لنستيقظ من عالم الجنون و الأحلام ، و نعود إلى عالم يعاف  أتربة علقت بين ثنايات  ثيابنا، و أغبرة لونت وجوهنا

 

reve

شخابيط

نهضت من قيلولتي  لأجد  الساعة السادسة قد دقت فنزلت السلالم جاريا ، ليعترضني أشرف من الروضة حاضنا ملطخ الوجه  و تمسك رنيم برجلي و هي أشبه بقطة. يوم حافل على ما يبدو قد قضياه في الروضة، كانت السعادة تغمرهما . حتى أنهما حين سقطا من العربة لم يبكيا بل قاما ضاحكين ليكملا جولتهما المعتادة. مرددان ما حفضا من أناشيد و أهازيج في الروضة …

أشرف و صديقه : خيبة أمل

وقف عند باب الجيران، و أخذ يصيح بإسم صديقه أيوب، و هم بالدخول لولا أن منعته.

كانت صيحاته تتردد صداها في كامل الحي، و كانت نظراته تتوقد  شوقا يريد بها اختراق الباب لكي تلاقي من يحب

لم يطل انتظاره  طويلا ، فها قد أطل أيوب من الباب و وقف عند الباب سائلا عمن كان ينادي بإسمه

وقف أشرف و قال له أنا و انتظر أن يأتيه . لكن أيوب لم يتحرك من مكانه و ظل يبحث عمن كان يناديه

فأجبته أنه أشرف و طلبت منه أن يذهب إليه

فرد علي بأنه كان معه طول النهار، و أنه لم يشتق إليه. ثم تركنا ومضى

رأيت الخيبة في عينيه، و شعرت بما شعر من ألم. لكنه سيكون لك درسك الأول في هذه الحياة، لا تتعلق بأي شيء ولا تعطي كل حبك  فيكون لك خنجرا في قلبك