رحلة بحرية

قد أكره أحيانا عملي, و أكره التفاني فيه. خاصة إذا كان هذا التفاني على حساب قضاء الوقت معكما

فاليوم حرمت نفسي من متعة مراقبتكما و أنتما تلعبان و تلهوان معا أصدقائكما في الرحلة البحرية التي نظمتها لكما مروضتكما “نوسة”. حاولت اتمام العمل قبل الرابعة مساءا ليتسنى لي الوقت  للذهاب إليكما لكن الأمر لم يجر كما أبغ. و وصلت إلى شط بو جعفر متأخرا لأجده فارغا ممن أعشق و أحب. رجعت خائبا أجر أذيالا من السخط على عملي و على نفسي.  و لم يهدأ لي بال إلا حين خرجت من باب الروضة لمعانقتي و كان وراءك  أخوك أشرف و قد ملأت صيحات فرحته كامل الحي. عانقتكما و ضممتكما إلي, و روت لي المروضة بعضا من مشاغبات أشرف, الذي استغل فرصة التهائي بالحديث لكي يتسلل إلى بيت الجيران. حاولت حبيبتي أن تروي لي بعضا ما فعلته على البحر. كما تذمرت يا ابني كعادتك من “عمو” الذي لم أفهم كالعادة ماذا فعل لك

كنتما تفيضان بهجة, حتى غمرتماني بها

أبنائي و الحلوى

سواء أخبأت أم لم تخبئي

و سواء أأقفلت باب الغرفة أم لم تقفليه  فصيادو الفرص لن ينتهوا حينا عن تصيد الفرصة المناسبة ففي غفلة مني و بعد خروجك للدراسة, ها هما الأخ و الأخت يفتحان الدرج و يقتسمان الغنيمة بينهما , قطعتي حلوى لكل منهما.  و حين تفطنت لهما تعالت ضحكاتهما و هرب أشرف مني و ارتسمت على وجه رنيم ابتسامة لم أجد بدا من أن أحضنها و أن أقبلها

أبي أنت يهودي

أبي احملني

ما أنا بحاملك

أبي احضني

ما أنا بحاضنك

أبي قبلني

ما أنا بمقبلك

أبي انظر إلي

ما أنا بناظرك

صمتت

حدقت بي

ثم صرخت في شاتمة

أبي أنت يهودي

لم تجد شتيمة أشد و لا وصفا أحقر من وصفي باليهودي

لم أغضب منك حبيبتي

بل أثلجت و أفرحت قلبا محبا

صاحب الوجه المتجهم

يوم آخر نقضيه معا

مع البراءة

مع الجنون

أخطنا رتوق  الشوارع و الأزقة مشيا, قفزا و جريا

كان  أشرف صاحب فكرة أن نمسك بعضنا بعضا

و كانت رنيم صاحبة فكرة أن نسير على شكل قطار

لكن في الآخر كان علي حملكما  بالتناوب بعد أن أخذ منكما التعب كل مأخذ

طاردنا القطط السائبة

قطفنا الأزهار  من قارعة الطريق

لاعبنا صنم الثعلب (لبيب)

هربنا من ظلالنا

ضحكنا و لعبنا و امتلأت قلوبنا فرحة و بهجة  رغم التعب و الإعياء

فرحة و بهجة لم ترق لأصحاب القلوب المريضة

لا أدري كيف يكون لصاحب الوجه المتجهم و اللسان السليط متجرا يبيع و يشترى فيه

لن أستغرب أن تكون تلك الذبابات الحائمة على سلعه الكاسدة هي مجمل حرفائه.  فتصرفاته تنفر منه كل ذي همة و كرامة

على كل حال نال مني على صلافته و قلة أدبه ما يستحقه  فهو لم يراع كبر سنه و لا صغر سننا

أكملنا يومنا على سطح المنزل متأملين الغيوم المارة و أسراب الطيور العابرة و لم ننزل إلا حين قاربت الشمس على المغيب معلنة نهاية حكاية جميلة من حكايات هذا الزمان

De Ali Bel Hadj Khalifa