الذئب وحمراء حمراء و باتمان

حمراء حمراء باتمان و أشرف

achraf batman loup chaperon rouge

التفتت إلي رنيم، وطلبت مني أن أقص لها قصة قبل أن تنام.

فبدأت في سرد قصة حمراء حمراء، إلى أن أتيت عليها وهي في وسط الغابة حاملة قفتها متجهة إلى منزل جدتها.

ليقاطعني أشرف

لن أنام إلى جانبك

لماذا يا أشرف

لأنك لا تريد أن تقص علي قصة عن باتمان

ابق إلى جانبي يا أشرف، سيحضر باتمان بعد قليل

حسنا يا أبي

ورجع إلى جانبي الأيمن منتظرا حلول باتمان

كان علي أن أرتجل، وأحيك الحكاية بثوب جديد  يرضي فضول أشرف ورنيم

تابعت القصة قائلا،

كانت حمراء حمراء سائرة في الطريق مستذكرة نصائح أمها وأن تحذر من الذئب الماكر، إلا أن زقزقة العصافير وعبق الأزهار المتناثرة من حولها أنساها نصائح أمها، لتبتعد عن الطريق الرئيسي، وتدخل إلى أدغال الغابة متبعة رفرفة جناحي فراشة زاهية الألوان.

كان الذئب مختبئا وراء إحدى الأشجار.

كان ثوبه الأسود يغطي جسمه الهزيل، وعيناه الواسعتان الحمراوتان يتطاير الشرر منهما، وأنفه الطويل والمدبب تنم عن الذكاء والدهاء، وفمه الغائر وقد نبتت تحته أنياب طويلة حادة لتقطيع اللحم وتكسير العظم، يسيل منه اللعاب. كانت يداه كثتان بالشعر وقد خرجت منهما مخالب حادة لم تقلما منذ أمد، وأذناه الطويلتان حادتا السمع تستطيعان سماع دبيب النمل تحت الأرض، وتساقط أوراق الشجر ولو في آخر الغابة. كانتا تتحركان يمنة ويسرة، تستطلعان هل من دخيل عن الغابة أو صيد سمين قد يملأ  به بطنا لا يكاد يمتلئ ويشبع به جوعا لا يكاد ينتهي. كانتا تتحركان حتى توقفتا فجأة، وقد سمعتا رفرفة جناحي فراشة تتبعها ضحكة طفلة صغيرة.

خرج الذئب من مخبئه وقد سال لعابه وتلألأت عيناه وهو يمني نفسه بصيد وفير ولحم طري. اتبع الصوت متواريا بين ظلال الأشجار سائرا على أطراف أصابعه، حتى صارت الضحكات أوضح ليجد أمامه حمراء حمراء بقفتها. بدأ يحدث نفسه، بأن يأكلها ويأكل ما في القفة من كسكسي بالسمك، الذي دغدغت رائحتها خياشيم أنفه.

برز أخيرا من وراء أحد الأشجار لحمراء حمراء، معترضا طريقها، لتصيح خائفة طالبة النجدة، وقد عرفت من هيأته بأنه الذئب. وأن مآلها الموت و النوم وسط أمعائه.

فجأة،

ومن بين الأشجار، ومن خلال الظلال، ظهر ظل أسود، يطير عاليا فوق الأغصان، وقد تنكر بقناع. قناع وطواط.

إنه باتمان.

صاح أشرف فرحا، حين أتيت على ذكره، طالبا مني أن أكمل القصة.

نزل باتمان من السماء بردائه الأسود حائلا بين الذئب وحمراء حمراء، صافعا الذئب دافعا إياه متوجها إليه بالحديث:

باتمان: ماذا أنت فاعل أيه الذئب الأحمق

الذئب: وماذا تراني أفعل، أنا أفعل ما أفعله كل ليلة، حين لا يريد الأطفال النوم.

باتمان: هل كنت ستأكل حمراء حمراء؟

الذئب: ليس بعد، علي أن آكل جدتها أولا، ألا تعرف قصة حمراء حمراء والذئب؟

باتمان: بلى أعرفها، ولهذا أنا تدخلت

الذئب: ولماذا؟

باتمان: هل أنت ذئب شرير؟

الذئب: بلى، ألا ترى أنني ألبس أسودا على سواد.

باتمان: وإن يكن أنا أيضا ألبس لباسا أسودا، وأضع قناع وطواط

الذئب: حسنا، أنا آكل اللحم، هذا ما يجعلني شريرا.

باتمان: لكن ذلك لا يجعلك شريرا، كل الناس تأكل اللحم.

متوجها لحمراء حمراء، هل تأكلين اللحم يا حمراء حمراء

حمراء حمراء: بلى

باتمان: وأمك

حمراء حمراء: بلى تأكل اللحم

باتمان: وجدتك

حمراء حمراء: جدتي تحب لحم السمك.

باتمان: وأنت يا رنيم

رنيم: أنا أحب لحم الدجاج

باتمان: وأنت يا أشرف

أشرف: أنا أحب لحم الخرفان

باتمان: أرأيت أيها الذئب كلهم يأكلون اللحم لكن ولا أحد فيهم شرير. حمراء حمراء، أمها جدتها، أشرف ورنيم، كلهم أخيار لا يحبون أفعال الشر رغم أنهم يأكلون اللحم.

نظر الذئب إلى باتمان، وقد علت الدهشة قسمات وجهه. شاردا ذهنه، وقد غمه السكوت، فلم يجد ما يرد به على باتمان. لم يجد ما يبرهن به على أنه ذئب شرير.

ترقرقت عيناه بالدموع، ليقول صائحا

كل هذه السنوات من حياتي وأنا أظن نفسي ذئبا شريرا.

بكى الذئب واغرورقت عيناه بالدموع

باتمان: ليس ذنبك أيها الذئب، إنه ذنب أولئك الآباء وتلك الأمهات الذين يلجئون في الليل لسرد قصة حمراء حمراء والذئب لكي ينام أطفالهم، ويصورونك كشخصية شريرة لكي يبثوا فيهم بعض الخوف ويكفوا عن التحرك ويناموا.

الذئب: لكن لماذا أنا،  لماذا صوروني أنا الشرير، ولم يصوروا ذلك الصياد الذي يفتح لي بطني في كل ليلة ويملؤها حجارة، أليس ذلك شرا؟

باتمان: بلى إنه شر أيها الذئب، لكن الناس تقبل أفعال البعض على أنها خير، رغم أنها في باطنها تحمل شرا.

الذئب: كيف؟

باتمان: أرأيت ذلك الصياد، حين يأتيك في بيت الجدة بعد أن التهمتها مع حفيدتها، وقد اتخذت قيلولة في فراشها،

الذئب: بلى

باتمان: يأتي الصياد، و البندقية بيمينه، وقد لبس أجمل ثيابه، وتعطر بأغلى عطوره، تعلو فمه ابتسامة عريضة وتفوح منه رائحة زكية من أثر معجون الأسنان، شعره الطويل المجعد، منسق ومشبع بكريم الشعر. يأتي بكل تلك الأبهة ويطل عليك وأنت نائم، وقد تدلى لسانك من فمك النصف مفتوح، وقد تغطى وجهك بالدماء، ورائحتك كريهة كأنك لم تستحم منذ عيد الفطر، وأظافرك غير مقلمة وقد اجتمع فيها كل ما قد نتصوره وما لا نتصوره من قاذورات وأوساخ. ينظر إليك ذلك البطل الوسيم، بوجهه البشوش، ليفتح بطنك بالفأس. هل تحسب أن من يستمع إلى القصة سيكترث بوحشية الصياد؟ كلا بل ستكون تلك بطولة.

 وهل تحسب الراوي أو المستمع سيكترث بحقك في الأكل، وبأنك حيوان لاحم لا تأكل غير اللحم. كلا بل سيراك شريرا لأنك أكلت حمراء حمراء وجدتها.

الذئب: لكنني لم آكلهما، لقد ابتلعتهما فقط، دون أن أعضضهما أو أمسهما بسوء ودون أن تقطر منهما قطرة دم واحدة.

باتمان: مجرد أنك اعترضت طريق حمراء حمراء يجعل منك شريرا في نظر الراوي والمستمعين. لو أنك أكلت زوجة أب سندرلا مثلا أو إحدى بناتها الأخريات لكان الأمر مختلفا، ولصرت بطلا ولكان فعلك ضرب من ضروب الشجاعة والإقدام

الذئب: ولماذا؟

باتمان: لأنهن لم تعتنين بمظهرهن

المظهر والهيأة هما الفيصل بين البطولة والشر حتى في عالم الخيال

بكى الذئب حظه العاثر، الذي جعل  رواة قصة حمراء حمراء والذئب تجعله متسخا وفي هيأة تثير الاشمئزاز

ربتت حمراء حمراء على كتفه، وقالت

لا عليك أيها الذئب المسكين من الآن فصاعدا سيحبك الناس

تلألات عينا الذئب ، متسائلا

ولكن كيف؟

خلع باتمان رداء الذئب الأسود القاتم المتسخ، واستبدله بأسودلماع نظيف، ونظف له أسنانه ومشط شعره وقلم أظافره، ثم أعطاه مالا وطلب منه أن يشتري قارورة دواء لجدة حمراء حمراء

وراحوا جميعا في زيارة الجدة

طرقت حمراء حمراء الباب

لترد عليها جدتها

من الطارق

أنا حمراء حمراء يا جدتي وقد جلبت معي الغداء

ادخلي يا ابنتي، فأنا مريضة لا أقوى على الوقوف

دخلت حمراء حمراء ودخل بعدها الذئب وباتمان

من هؤلاء يا حمراء حمراء

هؤلاء أصدقائي جاءوا لزيارتك وعيادتك يا جدتي

تقدم الذئب وهو يضع أحسن حلة وبادر الجدة بالتحية، وقدم لها اقنونة الدواء، راجيا من الله ان يشفيها,

شربت الجدة من القنينة، فتحسنت حالتها

وشكرت الذئب على صنيعه ولطفه

نهضت من السرير، وطلبت من الجميع أن يرافقوها للمطبخ لكي يشاركوها الغداء الذي جلبته حمراء حمراء

جلس الجميع حول المائدة فكهين فرحين، وأكلوا حتى شبعوا

حينها استأذن باتمان والذئب بالانصراف، على ان يزوروها في موعد آخر

وانتهت القصة

لا لم تنتهي، قال أشرف

وبدأ في الصراخ

حسنا قلت له، سأكمل

ما إن ابتعد باتمان حتى انقض الذئب عليه، محاولا أن يأكله, صائحا، لن أترك باتمان حتى ينام أشرف

صحت في أشرف، هل تريد أن يأكل الذئب باتمان

قال لا،

فقلت له، فكفى مجادلة واخلد إلى النوم

فقال حسنا حسنا ، أتركه، سأنام

فأردفت، فترك الذئب باتمان ضاحكا، وقال له لا عليك أنا أمزح معك

حينها، دخلت الماما الغرفة، وأشعلت الضوء الكهربائي، ليتبخر  الذئب وباتمان ومعهم حمراء حمراء وجدتها ضائعين في غياهب مخيلاتنا، ولينهض أشرف ورنيم من الفراش، طالبان منها أن تقص عليهما قصة جديدة، عائدين من حيث بدأنا…

اترك تعليقاً