الارهاب

فتحت شاشة التلفاز، و ارتميت على الكنبة في انتظار كلمة السيد رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي، كنت متكئا حين أتت ابنتي رنيم و ابني أشرف ليجلسا بجانبي و يشاركانني لحظات الإنتظار بكل هدوء و تمعن في كلمات المذيعين. كنت أحوم من قناة لقناة أستمع لتدخلات ‘الخبراء’ الأمنيين و العسكريين، و كان جميعهم بسياسييهم و إعلامييهم و أمنييهم يرددون و يحشرون لفظة إرهاب في كل جملة مفيدة أو غير مفيدة، كانت لفظة إرهاب تتردد على مسامعنا حتى صارت كنباح الكلاب بلا معنى، بلا روح. نظرت إلي ابنتي و سألتني:

أبي ما هو الإرهاب.

يبدو أنه لم يشد انتباهها من كل ذلك الحشو الإعلامي، إلا تلك اللفظة، لكثرة تكرارها و حشوها في كل مناسبة.

للحظة انتابني صمت القبور، فبما كنت سأجيبها؟ إن كان فطاحلة السياسة عجزوا حتى يومنا هذا عن التعريف بماهية الارهاب، فكيف لي أنا أن أفسره و أشرحه لطفلة لم يتجاوز عمرها الأربع سنوات و نصف بكلمات سهلة و ألفاظ مستساغة لتفكيرها.

حمحمت، ثم قلت لها، الارهاب هو الاجرام يا رنيم.

صمتت للحظة، لأزيد في معدل الصوت بعد أن أطل علينا سيادته بسنحته البهية، ليبشرنا بما نعلمه سلفا وليضيف لنا نائبة جديدة مع حلول منتصف رمضان ألا و هو اعلان حالة الطوارئ.

أبي ، هل هذا هو الارهابي، مشيرة بإصبعها إلى سيادته.

ذلك رئيس الدولة يا رنيم

ما الذي يريده؟

إنه يقول أننا ليس بمقدورنا الخروج من البيت ليلا، لوجود الارهابيين الذين يقتلون الناس.

فتحت عينيها، ثم سألتني،

أبي ألن نذهب إلى الملاهي، 

كنت قد وعدتها و أخاها بالذهاب إلى الملاهي للعب بعد صلاة العشاء

لا يا ابنتي، لن نذهب فالارهابيين منتشرون فيها.

يبدو أن كلماتي قد فعلت فعلها فيها هي و أخيها. فقد بقيت تردد علي في ما قد تبادر في ذهنها من أسئلة حيرتها.

أبي ، هل قتل الارهابيون الأطفال الذين في الملهى

هل الارهابيون يقتلون الأطفال.

هل يحمل الارهابيون أسلحة

هل يحمل الارهابيون سكاكين

هل لديهم دبابات …

و كنت أحاول أن أجيبها عن كل تساؤلاتها من دون أن أزيد في الخوف الذي في داخلها.

تناولت وجبة العشاء على مضض، ثم أخذت لوحتها و رسمت بالطباشير رسما ، سألتها أمها عن ماهيته، فأجابتها رسمت أبي.

أكملت رسمها ، ثم سألتني، ألن نذهب للملاهي يا أبي

لا، يوجد الارهابيون

فصاحت بأعلى صوتها

لا ، أنت تكذب ، لا يوجد ارهابيون، لا يوجد ارهاب.

ليس أنا من قال أن الارهابيين موجودين، إنه رئيس الدولة يا رنيم

لا ، ليس صحيحا، إنه لا يريدني أن أذهب إلى الملاهي لكي ألعب. أنت مثله أيضا ، أنا غاضبة منكما، أنا لا أحبكما.

حاولت أن أطفئ نار غضبها ببعض القبل قبل أن أخرج و أذهب في جولة تفقدية، في أول ليلة من ليالي شهر الطوارئ. 

قبل أن أخرج سألني أشرف، أبي إلى أين أنت ذاهب؟

أنا ذاهب لكي أمسك ببعض الارهابيين

فغاب عن نظري لبرهة ليعود حاملا معه احدى لعبه، 

jeux

أبي اضرب الارهابي بهذه العصا، اضربه على رأسه. و احمل معك سكينا.

قبلته من خده، و خرجت متسائلا، إن كانت ‘الدولة’ تحمينا من ‘ارهاب’ ‘الارهابيين’ ، فمن سيحمينا من ارهاب الدولة.

اترك تعليقاً