الإصبع

السابعة صباحا، الموعد اليومي للرعب.

تنهض الماما من فراشها مستعجلة وآثار السهر ما تزال تحيط بعينيها، لتعتكف في المطبخ وتعد فطور الصباح، واضعة البيض والحليب على نار هادئة، ثم تتجه نحو أشرف ورنيم لتحثهما على الاستيقاظ وبدئ يوم جديد.

اتركيني، دعيني أنام

صائحة بها رنيم وهي تتململ في فراشها، عارضة بظهرها لأمها، محاولة التنعم ببعض الدقائق الإضافية من سكرة النوم، قبل أن تجبرها أمها على النهوض وترك وداعة الوسادة.

ينهض أشرف دون أن يثير جلبة، غاسلا أطرافه جالسا على الطاولة مع أخته متناولا فطور الصباح، بينما تبقى رنيم تتذمر، متشكية من قلة النوم. لتقرن تذمرها بمعاندة أمها في اختيار ثياب الصباح، متعاليا صياحهما، متشبثة كل واحدة منهما برأيها.

كان ذلك ما نقوم ونصبح عليه كل يوم.

لكن ذلك اليوم، لم يكن كمن سبقه من الأيام.

كنت أبحث عن فردة حذائي، مستعدا لإيصال الأطفال إلى روضتهما. لأعطب إصبعي بحافة الكنبة فينكسر الظفر من وسطه، وتنهمر الدماء غزيرة.

كل اللغات تتحدث ألما، وكل الألم يولول لغات.

لا تهم أي لغة تولول بها، فمعنى الألم أعمق من أن تحدد ملامحه مفردات لغة مهما كانت بلاغتها.

تحدثت كل اللغات، وأنا أجري بين الغرف، باحثا عن شيء أعض عليه أسناني، عله يذهب عني بعض الألم.

أقبل علي أطفالي حين سمعا صراخي ليستبينوا الأمر، لتثير الدماء دهشتهما بادئ الأمر. ثم يدخل أشرف لغرفته ليجلب معه ورقة مطوية محاولا مسح إصبعي الملطخ بالدماء.

كانت رنيم صامتة تراقب عن كثب ، لتخرج من صمتها أخيرا وتسألني

أبي، اذهب إلى الطبيب كي يقطع لك إصبعك.

هكذا رأت ابنتي الحل، وذلك هو بالنسبة إليها دواء إصبعي المنزوع الظفر.

لم أزل في دهشتي، حتى رفع أشرف عينيه وبيده الورقة مشبعة بالدماء، ونظرات التساؤل ملئ عينيه

أبي، هل ستموت؟

نهرتهما، وطلبت من أمهما أن تصحبهما إلى روضة الأطفال، فلم يكن ينقصني غير بداية اليوم بصباح من التشاؤم والفأل السيئ.

قضيت اليوم في العمل بإصبع متخثر، وبألم ينخر كامل قدمي، مكتفيا بارتداء “شلاكة بوصبع”. محاولا تناسي الألم بالعمل مع تلامذتي الجدد.

لأعود مساءا للمنزل، منتظرا أن يغمرني أشرف بقبلاته ورنيم بضحكاتها، إلا أنها أبت إلا أن تستقبلني متعجبة :

أبي، ألم تمت بعد ؟

إصبعي

اترك تعليقاً