أشرف رنيم وميدوسا

ميدوسا في متحف سوسة

أطبقت بكفها الصغير على راحة يدي بكل ما أوتيت من قوة، ورمت بسهام نظراتها على الأرض متحاشية رفع رأسها والنظر ليمينها، متقدمة بخطى سريعة.

  • أسرع خطاك يا أبي، إنها تنظر إلينا

صاحت بي وهي تمر بجانب الصورة الجدارية.

  • لا تنظر إليها يا أبي، صاحت بي مرة أخرى، مسترقة النظر لترمقني بعينين خائفتين.

لم يكن لي إلا أن أجاريها في خطواتها مبتسما، متخيلا مجموعة الصور التي تمر بمخيلتها، بعد أن قدمت لها شريرة المتحف، ميدوسا.

امرأة فارعة الطول، تتموج الأفاعي على رأسها، بارزة أنيابها المسمومة، أظافرها أفاع وعيناها جمرتا نار تراقب بها حركاتنا وسكناتنا، ناشرة جناحيها العريضين المصنوعين من ريش مذهب، حائمة فوق رؤوسنا منتظرة أن يرفع أحدنا رأسه إلى الأعلى لتحوله إلى تمثال، مثل تلك التماثيل المعروضة في المتحف، التي تعود أغلبها إلى أطفال مشاكسين كانوا يصرخون ويجرون في أرجاء المتحف، مزعجين راحة ميدوسا.

ليست رنيم وحدها من تملكها الخوف، فأخوها أشرف، تسمرت أطرافه بعد أن قصصت عليه كيف أن ميدوسا عاقبت أحد الأولاد الأشقياء الذي أغضبها بهرجه وصراخه في المتحف فحولته إلى تمثال صغير بعد أن نظرت إلى عينيه ورمته بلعنة سحرها. يبدو أن الحيلة قد انطلت على أشرف بعد أن أعياني وأعيى أمه في الجري وراءه محاولين اقناعه بأن يبقى في صحبتنا وأن يكف عن الهرج والصراخ في أرجاء المتحف، فقد أمسك بيدي أخيرا، صامتا، ناظرا إلى الأرض كلما مررنا بصورة ميدوسا .

  • أبي لما تلك التماثيل بلى رؤوس؟
  • هل أكلتها ثعابين ميدوسا؟
  • أبي لما لم تحول ميدوسا العاملين في المتحف إلى تماثيل
  • لأنهم يحترمونها ولا يزعجونها يا بنيتي
  • أبي هل تخرج ميدوسا من بيتها؟

نظرت إليهما، وابتسامة شريرة على ثغري

  • نعم، سوف تتبعكما إلى خارج المتحف، وستحول كل مشاكس أو مشاغب إلى صنم وتحمله بجناحيها المذهبين  إلى بيتها، ليتم عرضه مثل باقي التماثيل.

أمسكا بي وقد تملكهما الخوف، وسارا في الطريق هادئين دون أن يثيرا أية مشاكل، حتى لما وصلنا إلى المقهى بقيا يلعبان في الحديقة مع أترابهما، ليأتيني أشرف صائحا.

  • أبي ذلك الولد يصيح، عليه أن يسكت قبل أن تأتيه ميدوسا وتحوله إلى تمثال

كم أحب الأساطير وكم أنا مدين للفارس المغوار بيرسيوس، الذي أبقى على عيني ميدوسا، دون أن يعمل فيهما بسيفه.

 

اترك تعليقاً