الارهاب

فتحت شاشة التلفاز، و ارتميت على الكنبة في انتظار كلمة السيد رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي، كنت متكئا حين أتت ابنتي رنيم و ابني أشرف ليجلسا بجانبي و يشاركانني لحظات الإنتظار بكل هدوء و تمعن في كلمات المذيعين. كنت أحوم من قناة لقناة أستمع لتدخلات ‘الخبراء’ الأمنيين و العسكريين، و كان جميعهم بسياسييهم و إعلامييهم و أمنييهم يرددون و يحشرون لفظة إرهاب في كل جملة مفيدة أو غير مفيدة، كانت لفظة إرهاب تتردد على مسامعنا حتى صارت كنباح الكلاب بلا معنى، بلا روح. نظرت إلي ابنتي و سألتني:

أبي ما هو الإرهاب.

يبدو أنه لم يشد انتباهها من كل ذلك الحشو الإعلامي، إلا تلك اللفظة، لكثرة تكرارها و حشوها في كل مناسبة.

للحظة انتابني صمت القبور، فبما كنت سأجيبها؟ إن كان فطاحلة السياسة عجزوا حتى يومنا هذا عن التعريف بماهية الارهاب، فكيف لي أنا أن أفسره و أشرحه لطفلة لم يتجاوز عمرها الأربع سنوات و نصف بكلمات سهلة و ألفاظ مستساغة لتفكيرها.

حمحمت، ثم قلت لها، الارهاب هو الاجرام يا رنيم.

صمتت للحظة، لأزيد في معدل الصوت بعد أن أطل علينا سيادته بسنحته البهية، ليبشرنا بما نعلمه سلفا وليضيف لنا نائبة جديدة مع حلول منتصف رمضان ألا و هو اعلان حالة الطوارئ.

أبي ، هل هذا هو الارهابي، مشيرة بإصبعها إلى سيادته.

ذلك رئيس الدولة يا رنيم

ما الذي يريده؟

إنه يقول أننا ليس بمقدورنا الخروج من البيت ليلا، لوجود الارهابيين الذين يقتلون الناس.

فتحت عينيها، ثم سألتني،

أبي ألن نذهب إلى الملاهي، 

كنت قد وعدتها و أخاها بالذهاب إلى الملاهي للعب بعد صلاة العشاء

لا يا ابنتي، لن نذهب فالارهابيين منتشرون فيها.

يبدو أن كلماتي قد فعلت فعلها فيها هي و أخيها. فقد بقيت تردد علي في ما قد تبادر في ذهنها من أسئلة حيرتها.

أبي ، هل قتل الارهابيون الأطفال الذين في الملهى

هل الارهابيون يقتلون الأطفال.

هل يحمل الارهابيون أسلحة

هل يحمل الارهابيون سكاكين

هل لديهم دبابات …

و كنت أحاول أن أجيبها عن كل تساؤلاتها من دون أن أزيد في الخوف الذي في داخلها.

تناولت وجبة العشاء على مضض، ثم أخذت لوحتها و رسمت بالطباشير رسما ، سألتها أمها عن ماهيته، فأجابتها رسمت أبي.

أكملت رسمها ، ثم سألتني، ألن نذهب للملاهي يا أبي

لا، يوجد الارهابيون

فصاحت بأعلى صوتها

لا ، أنت تكذب ، لا يوجد ارهابيون، لا يوجد ارهاب.

ليس أنا من قال أن الارهابيين موجودين، إنه رئيس الدولة يا رنيم

لا ، ليس صحيحا، إنه لا يريدني أن أذهب إلى الملاهي لكي ألعب. أنت مثله أيضا ، أنا غاضبة منكما، أنا لا أحبكما.

حاولت أن أطفئ نار غضبها ببعض القبل قبل أن أخرج و أذهب في جولة تفقدية، في أول ليلة من ليالي شهر الطوارئ. 

قبل أن أخرج سألني أشرف، أبي إلى أين أنت ذاهب؟

أنا ذاهب لكي أمسك ببعض الارهابيين

فغاب عن نظري لبرهة ليعود حاملا معه احدى لعبه، 

jeux

أبي اضرب الارهابي بهذه العصا، اضربه على رأسه. و احمل معك سكينا.

قبلته من خده، و خرجت متسائلا، إن كانت ‘الدولة’ تحمينا من ‘ارهاب’ ‘الارهابيين’ ، فمن سيحمينا من ارهاب الدولة.

 

على شاطئ البحر

بابا، لن نذهب إلى شاطئ آخر، لأن هذا الشاطئ ليس فيه يهود. قالها و هو يلعب بألعابه، ثم راح نحو البحر قاذفا نفسه فيه.

سألتني طفلة، لمن هاته الألعاب، فأشرت إلى أشرف في البحر، فذهبت إليه طالبة منه أن تلعب بألعابه، فرفض بادئ الأمر و لم يقبل إلا حين وعدته الطفلة بأن تبني له قصرا كبيرا من الرمال. بقيا سويا إلى جانبي على الشاطئ، يملآن السطل رملا و يفرغانه أن يبنيا قصرا، إلا أن الرمل لم يكن متماسكا، و في كل مرة كان كدس الرمال يتشقق و يتصدع لينهار. استسلمت صديقة أشرف للفشل، و تركته وحيدا لتلعب مع أخواتها.

عرضت عليه أن أحفر له حفرة كبيرة و أبني له قصرا شاهقا فخما، فوافق. فرحت أحفر و أكوم الرمل على جنبات الحفرة مشكلا حائطا رمليا، بينما كان أشرف يجر لي ماء البحر بسطله ساكبا إياه في الحفرة تارة و قافزا في الحفرة تارة أخرى. تحلق حولنا بعض الأطفال ممن بهروا بضخامة الحفرة و البناء، ليلتحق بهم أولياؤهم. أتانا أحد العاملين على الشاطئ ليطلب مني عدم الحفر، فبادرته بابتسامة صفراوية، ردا على طلبه الأحمق مكملا الحفر و البناء، و كأنه لم يكلمني أصلا. استهجن المتحلقون من حولي طلبه السخيف، حتى أن أحدهم طلب مني أن أحفر بالجاروفة.

لم يكن شاطئ برج خديجة ممتلئا يومها، ربما كان ذلك  بسبب التخوف من أعمال اجرامية  ارتدادية، و كما يقول المثل ، الخوف يجري الجوف. لكن يبدو أن جوف المصطافين ممتلئة بما شاءت أن تمتلئ من الخيرات و الممنوعات، رغم انتصاب الشمس في كبد السماء في رمضان.

أكمل أشرف أكل قطعة البسكويت، و اصطحبته إلى شاطئ آخر، بعد أن كثر لغط المفطرين، و دخان المدخنين. لأكتشف فراغ أغلب الشواطئ من المصطافين خاصة السواح منهم. فطيف العملية الاجرامية ما يزال يحوم في الأجواء. و يبدو أن ظلاله ستبقى لأمد غير معلوم.

تعرف أشرف في الشاطئ الجديد على صديق جديد، سبح معه فترة، ثم طلب مني أن أسبح معه و أن أحمله و أقوم بقذفه في الماء، فعلنا ذلك لفترة، ثم خرجنا للحفر و البناء فكان البناء الثاني أفخم من الأول لجودة رمال الشاطئ.

لم يرد أشرف العودة إلى المنزل، و طلب مني أن نقوم بجولة بالمدينة العتيقة بسوسة، و كان كلما مر على متجر أو مغازة، إلا و طلب مني أن أشتري له منها لعبة أو حلوى أو بسكويتا، و كان يغضب و يرفض المشي كلما رفضت له طلبا، و كنت في كل مرة أتكبد عناء كبيرا لأقنعه بإكمال المشوار، و عدم شراء ما اشتهاه. متعللا بعدم جودة و نظافة  ما طلبه، واعدا اياه بأن أشتري له ما طلبه حين نصل إلى مساكن.

صعدنا الحافلة أخيرا، لكنه عوض القفز و النط كما فعل في رحلة الذهاب، فقد  وضع رأسه في حجري  مستسلما للنوم، لأحمله  بين أحضاني طول الطريق بين المحطة و المنزل، و أضعه في فراشه و قد احمرت وجنتاه بعد يوم من الشمس. ثم لأخرج و أشتري له قصة كما وعدته.

 أشرف يلعب في البحر

العودة

يومان لم أر فيها رنيم.

يومان مرا، دون قبل، دون صراخ

دون مقاومة

دون معانقة

دون فرض سيطرة

دون كلمات عشق و لا وله

يومان، مرا و أنت يا حبيبتي بعيدة عن عش قلبي

ليبقى قلبي دون نبض،

دون حياة.

يومان مرا كشهر، حتى أنك حين عدت خلتك قد كبرت عاما. استقبلتني بالأحضان، بصرخات الفرح، بالقبلات ، بكلمات العشق ، كنت تحضنينني بشدة حتى خلتك ستدخلين إلى عشك، كنت مشتاقة إلي بقدر اشتياقي إليك، و كان قلبك يرف بقدر رفرفة قلبي.
كنت كمن عاد من  الغربة، إلى أرض الوطن، يقبل ثرى ترابه.
و كنت أنا كأرض ذلك الوطن، مشتاقا إلى حبات المطر أطفئ بها عطشي.
مرحبا بك في وطنك حبيبتي

في يوم عيد الأب

اليوم هو عيد الأب. اكتشفت ذلك صدفة ، على صفحة قوقل

في هذا اليوم، استفاق أبنائي ككل يوم مبكرا،  ليتداخل صياحهم مع أحداث أحلامي، طالبين مني أن أنهض و ألعب معهم.

قاموا بتقبيلي، و تبادلنا عبارات الحب، و طلبت مني ابنتي، بعد عناق طويل ألا أخرج، و أن أقضي اليوم معها.  قضينا الصباح في اللعب و العراك، و في التفريق بينهما، حيث كانا يتعاركان لأتفه الأسباب، و في إبرام الصلح بينهما، الذي  سرعان ما ينقض من أجل لعبة أو البرنامج الكرتوني (أشرف يريد سبايدر مان، و رنيم تريد دورا). كثر عراكهما، فعرضت عليهما الخروج في جولة، فرحبا بصيحات الفرح و السرور، ليرتديا ثيابهما، و نتوجه إلى منزل الجدة.

أمسكا بأياديهما ، و طلبا مني أن أتركهما يتمشيان لوحدهما، فتأخرت عنهم بعض خطوات وسرت خلفهم أرقبهم عن كثب، محاولا استراق السمع لحديثهما. لكن رنيم كانت تلفتف إلي و تطلب مني أن أبتعد أكثر.

وصلنا دار الجدة حيث أخذا كامل حريتهما في اللعب و الجري و اكتشاف أسرار البيت ، حيث وجد أشرف قطة صغيرة، أنهكها بالجري وراءها و بالاختباء منه خشية بطشه.
بقيت رنيم تتفرج على برامجها المفضلة على لوحة جدتها الالكترونية. بينما فضل أشرف اللعب بعصا وجدها في إحدى خبايا منزل الجدة، و صدق من قال من شابه أباه فما ظلم، كان يقوم بنفس الحركات التي كنت أقوم بها و أنا في نفس سنه. كان يديرالعصا بيده مرة ذات اليمين و مرة ذات الشمال،. فاتحا رجليه بمقدار كتفيه.
هنأت أبي بعيد الأب  ليهنئني هو بدوره، لأهنأه بكونه جدا.
لعبنا لعبة المعلم و المعلمة، لأكون أنا تلميذهما الغير مجتهد. ولأردد وراءهما الحروف التي يلقنانني إياها، لأنال استحسانهما تارة، و استهجانهما في مرات أخر، ليقوما كل على حدة بمعاقبتي بعصا أشرف، 
تعاركا من أجل العصا، من يقوم بالتدريس بها، ليكثر عراكهما و صخبهما، فأقترح عليهما أن نقوم بجولة في الجوار ثم نقفل راجعين للبيت. وافق أشرف، الذي ترجل قليلا ثم طلب مني أن أحضنه بعد أن غالبه النعاس. بينما فضلت رنيم المبيت في بيت جدتها، من دون أن تنسى أن تعانقني و ترسم على خدي قبلة مستعجلة و تهمس في أذني كلمة أحبك …

رنيم في معرض الكتاب الدولي

دخلنا إلى المقهى للاستراحة، بعد أن جلنا كل أروقة معرض الكتاب، و اقتنينا ما طاب لابنتي من كتب و أقلام

كانت غاطسة بين أقلامها و كتبها الجديدة، تلون بعض الصور، حين سألتها

هل لي  أن أدخن سيجارة،

أجابت من دون أن ترفع رأسها عن كتابها،

نعم واحدة فقط

نظرت إلي و سألتني

أبي لماذا تدخن؟

أدخن كي أطفئ شيئا من غضبي و أذهب عن نفسي بعض الانزعاج

رمت بقلمها فوق الطاولة و سألتني

أبي هل تعلم ما تفعله السيجارة بك؟
لا

فتحت حدقتي عينيها و قالت

إنها تربي خنفساءا في بطنك

ثم عادت تلون حشرات و حيوانات كتابها

خنفساء

الأستاذة رنيم

اليوم عادت رنيم من الروضة مبكرة، لتطلب مني أن أصطحبها إلى الساحة الخلفية للمنزل، لتعطيني درس اليوم.

ابتدأت الحصة بالنشيد الوطني، حيث أمرتني بأن أستقيم و أن أردد وراءها أبيات النشيد الذي صاحت به بأعلى صوتها،

أخذتني من يدي و أجلستني إلى جوار عرائسها (زملائي في القسم)، و طلبت مني أن أضع يدي فوق فمي لكي لا أصدر صوتا، و دخلت لغرفتها لكي تجلب العصا.

اتجهت إلى السبورة (الحائط) و بدأت تخط بأناملها الرقيقة خطوطا وهمية ثم تسألني عن اسم الحرف الذي خطته، فأجيب “ألف”

“صحيت بابا” لتخط خطا آخر و تسألني “و هذا؟”

“باء”

“أحسنت ، و هذا؟”

“جيم”.

ثم تلتفت إلي و تصيح في العروسة “فراولة” التي تجلس بجانبي، “يزي من الحس” “موش قتلك أسكت”، تحمل عصاها و تضربها ضربا مبرحا، ثم تعيدها إلى مكانها و ترجع إلى سبورتها لتخط خطوطا أخرى، تسأل عرائسها عن أسماء الحروف فلا يجيبونها، فتصيح فيهم “يا بهايم”.
يتواصل الدرس، و تأتي لي بقلم و كراس، و تقوم بتنقيط الورقة لتطلب مني أن أربط بين النقاط.
لم يعجبها ربطي، فتأخذ بيدي محاولة تقويم اعوجاج خطي، ثم تأمرني بأن أمد يدي لكي تعاقبني، فتضربني ضربات خفيفة بعصاها الغليظة، صائحة “ضربتك باش تولي تقرى دروسك”.
انتهت الحصة حين تفطنت إلي و أنا ألتقط لها صورا، أمرتني بأن أخبئ الهاتف، و عاقبتني حين صورتها مرة ثانية، ثم أطلقت عقيرتها للصراخ احتجاجا و منهية دور رنيم الأستاذة لترجع رنيم الابنة المدللة.
سألتها “رنيم هل تريدين أن تصبحي أستاذة حين تكبرين”
فأجابتني “لا ، لا ، لا أريد أن أصبح مثلك”

يوم الزي التقليدي

يوم 14 مارس قامت روضة نوسة بتنظيم حفلة بمناسبة اليوم الوطني للزي التقليدي

كانت مناسبة لالتقاط بعض الصور التذكارية بالزي التقليدي

أشرف استمتع بوقته أكثر من أخته رنيم التي فضلت أن تبقى بجواري طيلة اليوم على أن تبقى مع أترابها.

الحب المستحيل

أشرف أنا أحبك، هل تحبني؟

أحبك، رد عليها باقتضاب، محاولا رسم قبلة على وجنتيها

لكنها تمنعه متراجعة للوراء، رامقة إياه بنظرة ملؤها الغيرة

أنا لا أحبك

يتسمر أشرف في مكانه، و لا ينطق بشيء،
فقط، تختفي عن وجهه الابتماسة ، و يكتنفه الوجوم

تعود و تسأله مرة أخرى،

هل تحبني

لا، لا أحبك،

يقولها صائحا و من دون أن ينظر إليها

تطئطئ رأسها، تقطب حواجبها، و قد آلمتها الكلمة

ترجع إليه بالسؤال

أشرف أنا أحبك، هل تحبني

يرد عليها و قد أعطاها ظهره

لا

من تحب؟

أحب سبايدرمان

تبكي رنومة

و ينظر إليها أشرف دون أن يقول لها شيئا، و شامتا لألمها، ثائرا لألمه

أشرف، هل تحبني

لا

أنا أحبك

أنا ما نحبكش

و تعود للبكاء

ثم يرق قلبه، و ينحني عليها و يقبلها،

لا تبكي رنومة، أنا أحبك

لتدفعه عنها ، صائحة فيه : أنا لا أحبك

ليكمل مسلسل الحب المستحيل حلقة أخرى من حلقاته
love

اضراب دورا

أضربت و كنت من بين اللذين التحقوا بقاعات الأساتذة يوم الاضراب

كنت من بين المضربين لكنني لم أضرب لنفس الأسباب

لم تحركني مطالب الزيادة في الأجور. فالقناعة التي تربيت عليها كانت عقدا بيني و بين الفقر أحد أهم فصولها هو ألا فراق بيننا إلا فراق الموت.

لم تحركني. مطالب تجريم الإعتداء على المربي. ففي دولة تكون فيها إهانة الانسان عقيدة و قمع المواطن شريعة، يصيرمطلب تجريم الإعتداء على المربي ضرب من ضروب الفذلكة و الفكاهة .

لم تحركني مطالب إصلاح التعليم فالأيادي المرتعشة الغير قادرة على الهدم و القطع عن الماضي هي أعجز من تبني لثقافة جديدة . ثقافة البذل و العطاء

لم أتحرك لأي مطلب من المطالب المكتوبة على الورقة البالية التي مدني بها عضو النقابة . فلم يكن أي منها يتحدث عني أو يلمس الجرح الغائر في.

لم أضرب إلا لسبب واحد أرقني لأيام و شهور.

أضربت من أجل دورا.

نعم دورا و قردها موزو

أضربت كذلك لحقيبة ظهر دورا، و ما تحتويها من مفاجآت.

حقيبة الظهر التي كلما باحت بما فيها، انفرجت أسارير ابنتي و ارتسمت الفرحة على محياها – و لو لحين

لتمطرني بعد ذلك بمطلبها الأوحد و الوحيد، حقيبة دورا

فأرد عليها بفيض من الوعود، حقيبة دورا، و كل ما له علاقة بدورا، القرد اللعوب موزو، و البقرة الضاحكة بيني، و الثعلب الخبيث سنقر.

كانت تغمرها الفرحة و تتهلل أسارير وجهها بضحكات الأمل و السرور، فليس أحب إليها و أشرح لقلبها إلا الحديث عن دورا.

كانت تختلق القصص و المغامرات،

كانت تروي لي عن مغامراتها مع دورا في الروضة، و كيف كانتا تستكشفان معا الأماكن المحرمة. كانت تروي لي قصصا عن حب الله لدورا، و كيف أن السماء مملوءة بلعب و حقائب دورا، و أنها ستغلق باب الجنة من ورائها لكي لا يشاركها أحد في حب و لعب دورا.

كانت تختلق و تصور لي قصصا من نسج خيالها، لتطلب مني في آخر القصة حقيبة دورا.

منذ أشهر و ابنتي تروي لي القصص و المغامرات ، و منذ أشهر و هي تطلب مني أن أشتري لها حقيبة ظهر دورا. و منذ أشهر و أنا أكتفي بالوعود و الوعود و لا شيء غير الوعود.

إلى أن أتى يوم عدت فيه من العمل، لتعترض طريقي و أنا صاعد بابتسامة و تساؤل

أبي هل جلبت لي دورا

لأجيبها بتأفف و ككل يوم

غدا غدا سأشتري لك دورا غدا

رمقتني بنظرة عتاب و لوم و قد اختفت عن وجهها ابتسامة الفرحة بقدومي ثم قذفتني بكلمة كانت أرهب علي من جبال الشعانبي:

أبي أنت كاذب

لتتبخر في غرفتها مستسلمة للبكاء

توقف الزمن للحظة

توقف طويلا، حتى خلت أنه عزف عن السير رأفة بي و شفقة علي

لم أعد أرى من حولي غير الظلال

ظلال بلا أجسام

دورا شخصية من انتاج شركة نيكولاديان، هدفها البيداغوجي ،في نسختها العربية،هو تعليم الأطفال اللغة الانقليزية.

دورا بابتسامتها و قصة شعرها أسرت قلب ابنتي، حتى صارت لا ترى سواها و لا تحلم بسواها، و أكبر أمنياتها هو أن تكسب حقيبتها.

في الروضة، رفيقاتها يتباهين بحقائبهن و أقلامهن و كراريسهن و ثيابهن الموسومة جميعها بصور دورا.

في الشارع، وعند كل حاشية، و في كل زاوية لا بد أن تجد ورقة مهملة ملقية كانت لبسا لقطعة حلوى أو قطعة شكولاطة أو لعبة، و قد وسمت هي الأخرى برسم لدورا.

في البيت أو في أي مكان مغلق يتوفر فيه التلفاز ، و بين البرنامج و الآخر ،لا بد من ومضة اشهارية لمنتوجات دورا.

أينما حلت ابنتي، و أينما أجالت ببصرها، كانت دورا تحتويها و تبتسم لها .

أرغموها على حب دورا

و أرغموني على كرهها

جلت معظم المكتبات و المغازات في سوسة، علني أجد حقيبة دورا، لكنها مفقودة لكثرة الطلب عليها، و إن وجدت فليس لثمنها سبيل. ليست ابنتي الوحيدة المغرومة بدورا، بل كل جيلها مفتون بها و بمشتقاتها.

دورا صارت (أو ربما كانت منذ أن صنعت مع سبق الإصرار و الترصد) تجارة رابحة. أحلام الصغار، صارت تجارة، فيها الربح و الخسارة، تربح فيها الشركات و نخسر نحن البراءة

ما ذنبي أنا إن كنت في آخر حلقة من السلسلة التجارية، هم يفكرون و ينتجون و أنا في آخر السلم الغذائي علي أن أدفع و أستهلك من دون أن أعمل مادتي الشخمة التي أثقلت كاهلي.

لم يعد العالم حرا كما كان (أو كما أحسب أنه كان).

حتى أحلام الأطفال صاروا يتحكمون بها، مصنعين لجيل المستقبل، مستقبلا نكون نحن فيه غداءهم و عشاءهم. و هم ، من يقررون لنا أحلامنا و كوابيسنا، مسطرين لنا في كل مرحلة عمرية لائحة بأسماء  الأعلاف القابلة للإستهلاك.

يبدو أنني لم أكن أفضل حالا من ابنتي، فحين أرجع إلى ذكريات الطفولة باحثا عن الشخصيات التي تأثرت بها و تعلقت بها، أجد أسماءا مثل جنقر ، ساسوكي، بال و سيباستيان ، السنافر، نقار الزهواني، الأميرة النائمة، حمرا حمرا، الكابتن ماجد و غيرهم. كل تلك الشخصيات و القصص و المسلسلات الكرتونية المستوردة التي تربينا عليها و كونت شخصياتنا ، وصفها ‘مثقفونا’ و ‘مبدعو’ ‘هذا الوطن’، بالثقافة العالمية التي ‘يجب’ علينا الإطلاع عليها و نتربى عليها، مستقيلين من دورهم في إرساء ثقافة وطنية و زرعها في النشئ، مسلمين بذلك مقاليد الحكم للآخر الغريب، ليصنعوا أجيالا متواترة من الغرباء في وطنهم.

أولئك المثقفون و المبدعون، و ما أكثرهم، لا أراهم إلا مجموعة من الفاشلين العاجزين، مستكرشين بإسم الثقافة و رزمة الشهائد و الأوسمة و النياشين التي يتهادون بها.

إنهم عسكر هذا الوطن، المدافعين عن غربة الوطن

أتساءل أين وزارة الثقافة،

أين وزارة التربية

أين وزارة الشباب من كل هذا

هل تراثنا و تاريخنا القديم في الزمن قدم التاريخ ذاته، لا يحتوي على شخصيات تصلح قدوة لصغارنا، و هل صارت شركة نيكولاديان و اعتماداتها المالية أضخم من مصروف سيارات سادتي الوزراء، أو أغلى من ثمن المكيفات التي يبردون بها صلعهم صيفا، و يدفؤون بها مؤخ…. شتاءا؟

و هل مبتكرو شخصية دورا هم أكثر ذكاءا و موهبة من موهوبينا،
أم أنها لعنة الإدارة، و عقلية ‘حطان العصا في العجلة’ و عدم تداول المعلومات بين الإدارات و الوزارات، و أطنان الأوراق اللازمة لإقامة مشروع هي ما جعل مبدعينا يعزفون عن الإقدام في مجال الأفلام الكرتونية و جعلها صناعة متععدة المجالات.

أليس تشجيع شركات مثل شركة CGS صاحبة سلسلة تونس 2050، و توفير الإعتمادات المالية و اللوجستية  لإنتاج سلسلة كرتونية تعنى بالشخصيات التونسية مثل حنبعل، عليسة، أو أمي سيسي، بنت دنو، بوشكارة … تربي الطفل، على القيم التونسية، و تعمق فيه شعوره بالانتماء، و مفاضلتها في الفضاءات الإعلامية على السلع المستوردة، من كرتونيات تعلم العنف و تدعو إلى كل ما هو انحلال أخلاقي، هي  أم الأولويات؟

ألا يعتبر ذلك فاتحة لصناعة محلية، يمكن بها تحديد أحلام أطفالنا و دعم اقتصاد هش.

يبدو أنهم أكثروا من التسميات حتى يرمي كل منهم المسؤولية للآخر، فيضيع دمنا و جهلنا و تجهيلنا هدرا بين قبائل الوزارات و قلاع الأحزاب.

أولئك المسؤولون المستكرشون، جالسين من وراء مكاتبهم، ساهرين على بقاء نظام الجهل و التجهيل حيا يرزق، يبدو أنهم لم يعدموا وسيلة لإبقاء عصا موسى قائمة، حتى بتجويعنا و جعلنا نلهث و راء رغيف الخبز. لقد نكلوا بنا و بوعينا، حتى صار أكبر همنا زيادة في المهية و مطالب لا ترتقي إلى رسالتنا الأولية: التربية و التوعية.

جوعونا، فجهلونا لنصير بمشيئتنا أو بغيرها متمعشين من الفساد.

ما زلت أتذكر الأيام الأولى من الثورة، حين كانوا يعتمدون من أجل ترويضنا على الشائعات من قبيل أنه لن تكون هناك مهية في الشهر القادم بسبب ‘البلاد داخلة في حيط’، و كيف كان يعترينا الخوف من الخبر، فنهرع إلى أقسامنا مذعنين لأصحاب ‘القرار’، متظاهرين بالوطنية، مملوءة حناجرنا بكلمات الشابي ‘فلا عاش في تونس من خانها’ و نحن نعلم في قرارة أنفسنا أننا سنكون أول المتضررين من سقوط نظام الفساد و الخيانة.

لقد ساهمنا ( في مجملنا) نحن المربون في تسليط عصا موسى فوق ظهورنا، انتهازية البعض، لا مبالاة البعض و يأس البعض الآخر، هو ما أعطى نفسا جديدا لنظام الجهل و التجهيل بعد طوفان الثورة.

لقد جهلونا حتى صرنا من مناصريهم، بشقهيم (وزارة و نقابة : وجهان لعملة واحدة) مدافعين عنهم و عن منظومتهم، مصنعين لجيل جديد من مستهلكين بلا أدمغة.

وزارة تربية بلا تربية

وزارة ثقافة بلا ثقافة

وزارة شباب بلا شباب

وزارات هي أقرب للشركات بمحاصصاتها الحزبية و وفاقتها الايديولوجية، لتبقى أحلام ابنتي سهما في سوق المضاربات العالمية يتاجر بها أصحاب القرار من وراء البحار.

 أعذريني ابنتي، إن كانت أولويتي توفير كيلوغرام من اللحم أول كل شهر، متناسيا حاجتك لمن يرعى خيالك و يزرع فيه هويتك و انتماءك لهذا الوطن.

أعذريني فأنا لست غير آلة تعليب في سلسلة صناعة الجهل، أنتج عاهات الجيل القادم، غذاء وحوش الشركات العالمية المسيطرة على مقدراتنا و أحلامنا و كوابيسنا.

أعذريني إن كنت كاذبا و لم تقدر مهيتي على توفير ما تحلمين به، لكن من وراء كذبي نية حسنة و محاولة لعتقك من براثن الثقافة العالمية التي ‘نورتنا’ لأجيال.

لقد بحثت عن من يشاطرني الرأي،

عن مثقفين غير المثقفين

مثقفين خارجين عن السياق

خارجين عن القانون، القانون الذي تحتكم إليه منظومتنا (نسخ و لصق :copier/coller) و اشتريت لك هذا الكتاب “وحوش خرافية تونسية” للمبدع التونسي ياسين بالليل. ربما ساهمت تلك الرسوم و تلك الوحوش التونسية في طرد غربتك الناشئة و عمقت فيك أقصوصاتها الشعبية شعورك بالإنتماء لهذا الوطن.

شكرا سيدي ياسين بالليل على مجهودك و عطائك

أما أنتم، بوزارتكم و نقاباتكم، فاعلموا أنكم تؤسسون لدولة بلا وطن، و اعلموا أنه سيأتي يوم تفيقون فيه على شتاء ثورة تحرق أوراقكم، و تهدم بنيانكم لتؤسس دولة الوطن. 

عيد الحب

ابنتي العزيزة

هل أحتاج لمناسبة لكي أهدي لك و لأخيك و أمك وردة،

و هل تحتاجين لعيد لكي تنحني علي و ترسمي على جبيني قبلة

و هل نحتاج ليوم  مخصص  نتبادل فيه كلمات الحب و الغرام

ابنتي العزيزة

 هل نحتاج لأن يقيموا لنا أيامنا، ليتعذر على المفتي الأعمى رؤية هلال العيد، فيفتي بأن اليوم هو مكمل لأيام بؤسهم و شقائهم

و هل نحتاج لأن نسمي أعيادنا بعناوين منزوعة الروح، مبتورة المعاني

لسنا بحاجة إليهم

لسنا بحاجة لنواميسهم

 لسنا بحاجة  لأعيادهم

فكل أيامنا عيد

و كل أعيادنا ورود …

 roses